موقع الكاتب والأكاديمي المغربي يوسف الإدريسي
الخيال حقيقة لا تفنى... والواقع وهم لا يعاش
عتبات النص : تصدير الدكتور عبد الجليل الأزدي





بلاغة الاجتياز


تصدير  د. عبد الجليل بن محمد الأزدي


في مستهل كتاب دروس ابن يوسف ، سطر العالم الجليل أحمد نوفل بن رحال برنامجا نسقيا ومنظما للدراسات القرآنية، أشار في سطوره –ضمن إشارات أخرى- إلى أن معرفة فواتح السور وخواتمها شكلت أحد المباحث النوعية في الثقافة العربية الإسلامية. وتفيد هذه الإشارة أن الاهتمام بعتبات النص المقدس وبهوامش النصوص الدنيوية قديم في حقلنا الثقافي، غير أن ما تمخض عنه لا يتجاوز بعض العناصر النظرية التي لم ترقَ إلى مستوى الاتساق، ولم تبلغ الوضوح الضروري المطلوب.

 وفي بحر العقد السابع من القرن المنصرم، أخذت طائفة من الدراسات في الانكباب على بعض مواقع النص الأدبي المتميزة وذات المزية في شأن إخبار القارئ وإبرام ميثاق القراءة، وذلك انطلاقا من قناعة مفادها أن ليس النص امتدادا لا شكل له، بقدر ما يمتلك مجموعة من المداخل والمخارج والمنافذ التي تتيح العبور إليه واجتيازه ومغادرته، وتنبه القارئ إليه وعليه. وقد تم تعميد المواقع هذه تحت أسماء هوامش النص (هنري ميتران)، العنوان ( شارل كريفل)، العتبات ( جيرار جنيت)، وهو ما قد نقصده بوجيز القول في الفاتحة والخاتمة والنص الموازي.

ومن الأكيد أن سؤال هذه المواقع ومساءلتها ارتقيا إلى مصاف الأسئلة الجوهرية والإشكالية مترافقين مع أسئلة الضفاف والكتابة والبنية والدليل والنص والخطاب؛ وإذا كانت هذه الأسئلة قد طرحت في حقل النقد الأدبي بمختلف ساحاته وتوجهاته ، فإنها تعثر على كامل قوامها التفسيري في التاريخ الحديث والمعاصر ، إذ تزامنت مع صعود رأسمالية الدولة الاحتكارية وبزوغ مفهوم الاختصاص المعرفي الضيق  وبروز وتَسَيُّد المثقف التقني الذي يشكل في حقل الرأسمال الرمزي استطالة للسياسي التقنوقراطي. وإذا كان هذا الترابط ضروريا ، أي طبيعيا ، فمن الطبيعي كذلك أن النثر السردي التخييلي شكل مجالا مفضلا ومتميزا لهذا عبر إضاءة واستجلاء تكنيك كتابي على نحو شعائري غالبا، وهو التكنيك الذي يطلب الوصف في المقام الأول والمساءلة والتأويل بعد ذلك، بحثا عن استكشاف مسوغات ودلالات استعمالها في علائقها بالنص الروائي ووضعه كشكل أدلوجي متميز .

وعند المتابعة العابرة، والناقصة بالضرورة، لثلة من الأولين والآخرين الذين انشغلوا بمقاربة وإضاءة النصوص الموازية لنص الرواية بصفة خاصة ، تستعلن بعض الملاحظات التي تقف عند ظاهر الأمـور ولا تذهب إلى عمق الأشياء :

أولا – انشغلت هذه الدراسات واشتغلت بمتون سردية تختلف على صعيد السعة والحجم ، فمنها ما انكب على دراسة رواية واحدة أو خمس روايات أو ثمانية ، ومنها ما انصرف للاهتمام بعشرين رواية كما في حالة آل روجون ماكار ، ومنها ما استثمر مائة نص سردي كما في حكاية فلاديمير پروپ مع الحكايات الروسية العجيبة، ومنها ما انحاز لخيار التوسع والتوسعة، فاهتم بمجال مترامي الأطراف يستطيل إلى مائتي رواية ، كما في حالة السيد گريفل ضمن كتابه : إنتاج الفائدة الروائية. لكن، لابد من التنبيه على أن النصوص الروائية التي طالها الاهتمام تعود إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، أي إلى ما يسمى العصر الذهبي للرواية، والذي وشمته أسماء : أونوريه ده بلزاك، إميل زولا، ألفونس ضوضيه، ألسكندر دوما ، گوستاف فلوبير، مارسيل بروست، هنري جيمس، ألان روب گرييه، جان ريكاردو، نتالي ساروت ...وغيرهم .

ثانيا – إن نسبة كبيرة جدا من هذه الدراسات اهتمت فقط بنص روائي واحد لا غير، منتسبة بذلك، سرا أو علانية، لنمط من الدراسة ذاع صيته تحت اسم : دراسة الحالة، وهو النمط الواقع بين مطلب التعميم ومطلب اختبار المصداقية والملاءمة، مع ما يستتبعه هذان المطلبان من أسئلة جوهرية يستحيل غض النظر عنها. ومن الواضح أن بحث الدكتور يوسف الإدريسي يقع تحت هذا النمط، طالما أنه اختار في قسمه الثالث الاشتغال على عتبات حالة محددة ممثلة في رواية الكاتب العظيم عبد الرحمن منيف: الآن...هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى .

ثالثا – ضمن الدراسات الخاصة بموضوع العتبات والنص الموازي، يعثر القارئ، الهاوي والمتنور، على شكل من القراءة اهتم بفواتح النصوص وخواتمها. وفي امتداد هذه القراءات، تتعدد التخوم الداخلية والحدود الفاصلة المتحكمة بحجم وسعة وامتداد الفواتح والخواتم الروائية. بمعنى أن حجمها النصي يتغير، وذلك في الأغلب الأعم تبعا لتغير النص موضوع النظر والمقاربة. ومن ثم لا يمكن الحديث عن إجماع بخصوص كَمِّ الفاتحة والخاتمة، الذي قد يكون جملة أو بضعة أسطر أو صفحات ذوات العدد .

رابعا – أقر لوي أراغون بصفة شخصية، ومن موقع كاتب كثير الدربة والمِران وأصيل التجربة وطويل الممارسة، بأنه « لم يعرف أبدا إلا البداية ». ويومئ هذا الذي أقره إلى ما يشبه الإجماع في شأن ما يدعوه هو نفسه « التعزيم الأولي الذي يحيي الصورة الأولى لهرقل في الملتقى». وطالما وظيفة كل تعزيم إطلاق الأرواح وتحريرها وتقييدها، فإن تعزيم الفتح والبدء ينهض –ضمن ما ينهض به- بتحرير "شياطين" الكتابة، وبإطلاق أرواح المعاني وتتخيمها بما سيقوم في نظام الكتابة بمهام القيود والإرغامات الشكلية والموضوعاتية. وهو ما يعني في المحصلة أن الفاتحة تأسر المعنى وتطلقه لينبسط في سهوب النص القادم، متوافقة في ذلك مع أحد المواقع النصية الاستراتيجية: العنوان، سواء بمعناه الحصري، أي الدليل اللغوي signe linguistique الذي يوضع في بداية كل نص، بصفته اسما وتمييزا، أم بمعناه الواسع والإطلاقي، أي مجموع المعطيات اللغوية وغير اللغوية، المقروءة والبصرية، التي تحيط بالنص وتحميه وتميزه وتثبت ملكيته لمؤلف وتشير إلى بُنُوَته إلى أب محدد، كما تعلن وسائط تسويقه وتسويفه .

خامسا – كثيرة هي الدراسات والأبحاث التي انكبت على عتبات النصوص السردية وفواتحها وخواتمها. ولا تمنع هذه الكثرة إمكانية تبويبها وتصنيفها، وبصفة خاصة انطلاقا من مصادر استمدادها واستيحائها وبالنظر في أجهزتها المفاهيمية أو الأدوات التي تتوكأ عليها لإنتاج المعرفة. فإذا كان النقد التطبيقي قد شكل متكأ وملاذ مداخلات أيان واط في تحليله الفقرة الأولى من رواية هنري جيمس: السفراء، فإن أبحاثا أخرى استلهمت الإطارات النظرية والمنهجية للنقد الاجتماعي أو الدلائليات أو اللسانيات أو علم الجمال. وإذا أضيف إلى هذا التعدد النظري والمنهجي اختلاف المتون وتغايرها، يمكن توقع التعدد، بل الاختلاف الممكن والمحتمل على صعيد النتائج .

ولاشك أن في الاجتياز من العتبات إلى الخواتم عبر الفواتح يَعْبُر النص الروائي باسطا بدايته ومستشرفا نهايته ضمن برامج سردية تطرح بشكل أكيد ومستديم، وعبر فجواتها الناطقة والصامتة، إشكالية الكتابة والقراءة، أي إشكالية الفني والجمالي في ترابطهما الذي لا ينفصم. ذلك أن القراءة في معناها كسيرورة من البداية إلى النهاية تتضمن الكتابة، والأخيرة بصفتها شارعا فعليا، ممتدا بين نقطتي الانطلاق والوصول، وهما أحيانا نقطة واحدة كما في الدائرة، تتضمن القراءة أيضا . 

وبهذا المعنى نتضامن بالرأي مع وولفكانك إيزر إذ قال إن « للنص الأدبي قطبان، يمكن أن ندعوهما بالفني والجمالي. القطب الفني هو نص المؤلف، والجمالي هو الفعل الذي يحققه القارئ (...) ونتيجة هذه القطبية، يتضح أن العمل نفسه لا يمكن أن يكون متطابقا مع النص أو مع تعيينه، وإنما يجب أن يقوم في مكان بين الإثنين». في هذا التضامن، يستعلن أن بلاغة الاجتياز لا تقوم في العبور من العتبات إلى النص، أو من الفاتحة إلى الخاتمة، وإنما في العبور بين النص والقارئ، بين الداخل والخارج، بين الفني والجمالي، بكيفية مفتوحة وديمقراطية وإيجابية ومناقضة لإعادة إنتاج النص المغلق، أي النص المستطير واللاديمقراطي .

وضمن هذا الشكل من العبور أو الاجتياز تقع مداخلة الدكتور يوسف الإدريسي التي جمعت بين المشاغل النظرية ودراسة حالة محددة، علاوة على أنها صيغت في سياق أكاديمي-جامعي يعود إلى بداية التسعينات، وذلك قبل أن تنبري العديد من المصنفات للاهتمام بهذا الموضوع. ولاشك في أن هذا يشير إلى نمط من السبق المعرفي والتاريخي الذي لا يعدم مقدماته في الحقل الجامعي المغربي، وإن ظلت هذه المقدمات رهينة التقاليد الشفوية، أي مرتبطة بدروس ومحاضرات جملة من الأساتذة الأفاضل والعلماء الأجلاء ؛ ففي نهاية السبعينات كان المرحوم الشاعر محمد الخمار الكنوني يدرس لطلبة الإجازة في اللغة العربية وآدابها، جامعة محمد بن عبد الله في فاس، مقدمات دواوين الشعر المغربي في القرن التاسع عشر وهاجسها الأخلاقي؛ وفي امتداد السبعينيات والثمانينيات، كان المرحوم العلامة أمجد الطرابلسي يقرئ طلبة السلك الثالث بالجامعة المغربية مقدمات أمهات الدواوين الشعرية والمصادر النقدية في الثقافة العربية الإسلامية: مقدمة سقط الزند، مقدمة اللزوميات، مقدمة الشعر والشعراء، مقدمة شرح المرزوقي، مقدمة البيان والتبيين وغيرها ؛ كما أن بعض هذه المقدمات شكلت موضوع إقراء من لدن الشيخ الجليل الشاهد البوشيخي، وبصفة خاصة مقدمة المرزوقي على شرح ديوان الحماسة لأبي تمام ومقدمة دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة؛ وفي أواسط الثمانينيات كان الأستاذ الفاضل أحمد اليابوري يحلل مع طلبة السلك الثالث، جامعة محمد الخامس بالرباط، مقدمات وعتبات النصوص الروائية الأولى التي صدرت في الثقافة العربية الحديثة .

ولاشك أن بحث الدكتور يوسف الإدريسي يمت بأكثر من صلة لهذه التقاليد العلمية الحميدة، ويكفيه ذلك فخرا، إذا لم نضف إليه مجمل المفاخر القائمة في سطوره على صعيد المعرفة التي يقدمها، وعلى مستوى طرائق تنظيمها وتبويبها وتنسيقها، والبحث عما يجدد أسئلتها في ضوء الاشتغال على رائعة عبد الرحمن منيف: الآن...هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى. وحين تنجدل جميع هذه المفاخر في ضفيرة واحدة، فإنها تنساب نحو أمر هام: جدارة الكتاب الراهن بالقراءة والاحتفاء. وتتضاعف هذه الجدارة حين العلم أن الكتاب إياه قليل الأشباه والنظائر في سياق إنجاز بحوث الحصول على أحد نياشين المعرفة: الإجازة .

 

                                                 عبد الجليل بن محمد الأزدي

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home